شهد الاستوديو التحليلي لشبكة “بي إن سبورتس” تغطية استثنائية لمنافسات الدور ثمن النهائي من بطولة كأس العالم، حيث أدار الإعلامي عبد العزيز النصر حواراً كروياً رفيع المستوى جمع نخبة من أبرز أساطير اللعبة: النجم المصري محمد أبو تريكة، والمحلل القطري يونس علي، والمدافع الفرنسي السابق ويليام غالاس. ولم يكن اللقاء مجرد تحليل فني عابر، بل تحول إلى وثيقة تاريخية احتفت بالانجاز العربي الأبرز، والمتمثل في تأهل المغرب إلى الدور ربع النهائي عقب انتصار عريض ومستحق على منتخب كندا بنتيجة (3-1)، وسط إشادات واسعة وثقها النجوم بكلمات للتاريخ.
تأهل المغرب.. فرض الهيمنة وتأكيد المكانة العالمية
افتتح الأسطورة محمد أبو تريكة حديثه بعبارات حملت الكثير من الفخر والاعتزاز، مؤكداً أن تأهل المغرب إلى دور الثمانية لم يعد مفاجأة مدوية أو وليدة الصدفة، بل هو استمرار طبيعي للشخصية القوية والعقلية الانتصارية التي شكلها “أسود الأطلس” منذ ملحمة مونديال قطر 2022. وأشار أبو تريكة إلى أن هذا الإنجاز يعكس ثبات الخطى والمنظومة الاحترافية التي يسير عليها الفريق؛ إذ أصبح تأهل المغرب إلى الأدوار المتقدمة في المحافل العالمية جزءاً من طبيعة هذا الجيل الذي لا يرضى بغير القمة.
وعند تفكيك الشفرة التكتيكية للمباراة، أوضح أبو تريكة أن الشوط الأول شهد بعض الصعوبة نتيجة الضغط العالي والشرس الذي فرضه المنتخب الكندي، والذي تميز بالسرعة والقدرة على استرجاع الكرة في مناطق مؤثرة. ومع ذلك، تجلت شخصية البطل مع بداية الشوط الثاني، حيث دخل رفاق حكيم زياش برغبة عارمة في حسم الأمور، وهو ما تحقق عبر تنظيم هجومي محكم واستغلال مثالي للكرات الثابتة والهجمات المرتدة السريعة.
وجاءت نقطة التحول مع الهدف الأول الذي فك التكتل الكندي، تلاه عمل جماعي رائع قاده نجم ريال مدريد إبراهيم دياز، الذي صنع بمهارة فائقة الهدف الثاني للنجم عز الدين أوناحي. وفي الوقت الذي اندفع فيه المنتخب الكندي بكامل خطوطه نحو الهجوم لتقليص الفارق، جاءت رصاصة الرحمة من الهداف سفيان رحيمي الذي سجل الهدف الثالث من مرتدة نموذجية. واختتم أبو تريكة تحليله للمباراة بإشارة لافتة، مؤكداً أن تأهل المغرب تحقق بعد أن قدم الفريق ما يقارب 60% إلى 70% فقط من طاقته ومستواه الحقيقي، مما يثبت امتلاك الأسود لمخزون فني وذهني قادر على الذهاب بعيداً في البطولة.
إشادة دولية.. جودة الأسود تتحدث عن نفسها
من جانبه، صادق النجم الفرنسي ويليام غالاس على قراءة أبو تريكة الفنية، معرباً عن إعجابه الكبير بالمرونة التكتيكية والهدوء الذي أظهره المنتخب المغربي. وأشار غالاس إلى أن مثل هذه المباريات الإقصائية الحاسمة تبدأ عادة بمرحلة حذرة تشبه “جس النبض”، حيث يتربص كل فريق بالآخر بانتظار الخطأ الأول.
ورغم الضغط العصبي الكبير والجهد البدني الذي بذله الكنديون في الشوط الأول، إلا أن الجودة الفردية والجماعية للاعبي المغرب كانت الحاسمة. وأضاف غالاس أن الفوز العريض والأداء المتوازن جعلا من تأهل المغرب مستحقاً تماماً، ليعيد الأذهان إلى ذكريات مونديال 2022 حين وصل الفريق إلى نصف النهائي، مما يجعل كل المنتخبات الكبرى تضرب للأسود ألف حساب في الأدوار المقبلة.
التحذير من الإعصار الفرنسي.. مبابي الـ “كمبيوتر” الذي لا يرحم
لم تقف حدود الحلقة عند الاحتفال بالانجاز المغربي، بل انتقل المحللون لرصد الموقعة المرتقبة في الدور القادم والتي قد تضع المغرب في مواجهة مباشرة مع الديك الفرنسي في حال تجاوزه عقبة الباراغواي. وهنا أطلق المحللون جرس الإنذار، محذرين من القوة التدميرية لمنتخب فرنسا، وتحديداً خط هجومه المرعب بقيادة كليان مبابي.
وفي هذا السياق، حلل الكابتن يونس علي التطور الرهيب في أداء مبابي خلال هذه النسخة، مشيراً إلى أنه تجاوز مرحلة الهداف التقليدي الذي يقتنص أنصاف الفرص، ليصبح القائد الفعلي والمحرك الأساسي للمنظومة الهجومية الفرنسية. وأكد يونس أن التزام مبابي التكتيكي وأدواره الدفاعية والضغط بدون كرة قد تضاعفت بشكل ملحوظ، مدعوماً بتركيبة هجومية مثالية تضم عثمان ديمبلي، باركولا، ومايكل أوليز الذي يمنحه الحرية والمساحات عبر تمريراته الحاسمة ورؤيته الثاقبة كصانع ألعاب.
وعاد محمد أبو تريكة ليوجه تحذيراً شديد اللهجة، واصفاً مبابي بأنه يمتلك “كمبيوتراً في دماغه” يجعله قادراً على قراءة تحركات زملائه ومنافسيه بدقة متناهية، ومعرفة متى يمرر تمريرة قصيرة لأوليز أو يطلب الكرة الطويلة خلف المدافعين. وأضاف أبو تريكة أن مبابي وبقية نجوم ريال مدريد (مثل فينيسيوس جونيور) يدخلون المونديال بدوافع انتقامية وتحدٍ خاص للرد على “الموسم الصفري” المخيب مع النادي الملكي، مما يجعل كاس العالم بمثابة ساحة لاستعادة الهيبة والـ “برستيج” الخاص بهم، وهو ما يفسر الحالة البدنية والذهنية الفائقة التي يظهرون بها.
صراع الجبابرة على المجد التاريخي
اختتم الاستوديو بقراءة في لغة الأرقام والإحصائيات التي تشعل فتيل المنافسة في المونديال، حيث لا يقتصر الصراع على الكأس الجماعية فحسب، بل يمتد إلى سباق تاريخي محموم على لقب هداف البطولة. ويتصدر الأسطورة ليونيل ميسي المشهد برصيد 7 أهداف (بعد تسجيله لهاتريك تاريخي)، يلاحقه كليان مبابي بـ 6 أهداف، ثم هاري كين وإيرلينغ هالاند بـ 5 أهداف لكل منهما، إلى جانب مطاردة شرسة من فينيسيوس وديمبلي وإسماعيل سار بـ 4 أهداف.
هذا التنافس الفردي المحموم يزيد من تعقيد الحسابات التكتيكية للمواجهات المقبلة؛ فالمنتخب المغربي، بعد أن أثبت جدارته وحسم تأهل المغرب بامتياز إلى دور الثمانية، سيكون على موعد مع اختبارات دفاعية حاسمة تتطلب أعلى درجات التركيز والانضباط لإيقاف هؤلاء الجبابرة ومواصلة كتابة التاريخ العربي والإفريقي غير المسبوق.
اكتشاف المزيد من magallati
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.